- السوشيال ميديا بين صناعة الوعي وتجارة الفوضى
- من يحمي عقول الشباب في زمن “التريند”؟
- لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل بين الناس أو منصة لتبادل الأخبار والصور والآراء، بل أصبحت السوشيال ميديا بين صناعة الوعي وتجارة الفوضى، قوة حقيقية قادرة على تشكيل الوعي، وتوجيه الرأي العام، والتأثير المباشر على سلوك المجتمع وثقافته، خاصة في ظل الانتشار الواسع للتكنولوجيا واعتماد الملايين يوميًا
السوشيال ميديا بين صناعة الوعي وتجارة الفوضى.. من يحمي عقول الشباب في زمن “التريند”؟

بقلم: صبري حمد الشعباني
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل بين الناس أو منصة لتبادل الأخبار والصور والآراء، بل أصبحت السوشيال ميديا بين صناعة الوعي وتجارة الفوضى، قوة حقيقية قادرة على تشكيل الوعي، وتوجيه الرأي العام، والتأثير المباشر على سلوك المجتمع وثقافته، خاصة في ظل الانتشار الواسع للتكنولوجيا واعتماد الملايين يوميًا على الهواتف المحمولة كمصدر أساسي للمعلومات والترفيه.
وخلال السنوات الأخيرة، شهد المجتمع المصري تغيرًا واضحًا في طبيعة المحتوى المتداول عبر مواقع التواصل، حيث تحولت بعض المنصات إلى ساحات مفتوحة لصناعة الجدل والبحث عن الشهرة السريعة، حتى وإن كان ذلك على حساب القيم والأخلاق والذوق العام. فأصبح “التريند” لدى البعض هدفًا يتم الوصول إليه بأي وسيلة، بغض النظر عن مضمون المحتوى أو تأثيره على المجتمع، الأمر الذي خلق حالة من القلق المجتمعي المتزايد تجاه ما يُقدم يوميًا لملايين الشباب والأطفال.
المؤسف في الأمر أن البعض بات يعتقد أن النجاح الحقيقي يقاس بعدد المشاهدات والمتابعين فقط، دون النظر إلى الرسالة أو الفائدة أو التأثير الإيجابي. فتحولت بعض الحسابات إلى نماذج تعتمد على الإثارة والإسفاف والألفاظ الخارجة والتصرفات غير اللائقة لجذب الانتباه وتحقيق الانتشار السريع، وكأن قيمة الإنسان أصبحت مرتبطة بقدرته على إثارة الجدل لا بقدرته على تقديم محتوى هادف ومحترم.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن السوشيال ميديا تحمل جانبًا إيجابيًا كبيرًا عندما تُستخدم بالشكل الصحيح، فقد ساهمت في دعم المواهب، ونشر العلم والثقافة، وتسليط الضوء على النماذج الناجحة والمبادرات الإنسانية، كما أصبحت أداة فعالة للتوعية والتسويق والتعليم والعمل الحر. لكن الخطورة الحقيقية تكمن في غياب الوعي عند الاستخدام، وفي ترك المساحات الرقمية مفتوحة أمام محتوى قد يؤثر بشكل سلبي على عقول الشباب وتفكيرهم وسلوكهم اليومي.
لقد أصبح من الواضح أن التأثير النفسي والاجتماعي للسوشيال ميديا لم يعد أمرًا بسيطًا، فالكثير من الشباب باتوا يعيشون تحت ضغط المقارنات المستمرة، والسعي وراء الشهرة الزائفة، وتقليد شخصيات لا تمثل القدوة الحقيقية، مما أدى إلى انتشار بعض السلوكيات الغريبة على المجتمع المصري المعروف بقيمه وعاداته وتقاليده الأصيلة.
كما أن انتشار الشائعات والأخبار المضللة عبر المنصات الرقمية أصبح يمثل تحديًا حقيقيًا أمام وعي المواطن، خاصة مع سرعة تداول المعلومات دون التأكد من صحتها، وهو ما قد يؤدي إلى إثارة البلبلة ونشر الخوف أو تشويه الحقائق. ومن هنا تأتي أهمية تعزيز ثقافة الوعي الرقمي، وتعليم الأجيال الجديدة كيفية التفرقة بين المحتوى الهادف والمحتوى الضار.
ولا تقع المسؤولية على الدولة أو المؤسسات وحدها، بل تبدأ أولًا من الأسرة التي أصبحت مطالبة بمتابعة ما يشاهده الأبناء، وتوجيههم نحو الاستخدام الإيجابي للتكنولوجيا، بالإضافة إلى دور المدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية في بناء وعي حقيقي قادر على مواجهة التأثيرات السلبية لبعض المنصات الإلكترونية.
كما أن صناع المحتوى أنفسهم يتحملون مسؤولية كبيرة أمام المجتمع، لأن الكلمة والصورة والفيديو لم تعد مجرد وسيلة للترفيه فقط، بل أصبحت أدوات تؤثر في العقول وتساهم في تشكيل القيم والسلوكيات. ولذلك فإن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بالأرقام والمشاهدات، وإنما بما يتركه المحتوى من أثر إيجابي يحترم عقل المشاهد ويحافظ على هوية المجتمع.
إن حرية التعبير حق مكفول للجميع، ولكن الحرية الحقيقية لا تعني الفوضى أو الإساءة أو نشر المحتوى الهابط، بل تعني تقديم أفكار وآراء بصورة تحترم المجتمع وتحافظ على أخلاقه وثوابته. فالمجتمعات لا تُبنى بالضجيج المؤقت، وإنما تُبنى بالفكر والوعي والعمل الحقيقي.
وفي النهاية، تبقى السوشيال ميديا سلاحًا ذا حدين؛ يمكن أن تكون وسيلة للبناء ونشر المعرفة والنجاح، ويمكن أيضًا أن تتحول إلى أداة لهدم القيم إذا غاب الوعي وسادت ثقافة “التريند بأي ثمن”.
ولهذا أصبح من الضروري أن ندرك جميعًا — أفرادًا ومؤسسات — أن معركة الوعي لم تعد تقليدية، بل أصبحت تُدار يوميًا عبر شاشة هاتف صغيرة، وأن حماية عقول الشباب مسؤولية مشتركة تحتاج إلى وعي حقيقي، وإعلام هادف، ومحتوى يحترم الإنسان قبل أن يبحث عن المشاهدة.










