- عندما يُذكر مهندس البرمجيات، غالبًا ما يرتبط التصور بالبرمجة وكتابة الأكواد وتصميم الأنظمة، لكن المسار المهني للمهندس حيدر إبراهيم أحمد بخيت يكشف جانبًا آخر لا يقل أهمية عن العمل التقني نفسه، وهو نقل المعرفة وتدريب الآخرين على استخدام التكنولوجيا
- فخلال سنوات عمله، لم تقتصر تجربته على تطوير الحلول الرقمية، وإنما امتدت إلى تدريب الخريجين الجدد والعاملين والباحثين، ومساعدتهم على التعامل
كتبت هدى العيسوى
عندما يُذكر مهندس البرمجيات، غالبًا ما يرتبط التصور بالبرمجة وكتابة الأكواد وتصميم الأنظمة، لكن المسار المهني للمهندس حيدر إبراهيم أحمد بخيت يكشف جانبًا آخر لا يقل أهمية عن العمل التقني نفسه، وهو نقل المعرفة وتدريب الآخرين على استخدام التكنولوجيا.
فخلال سنوات عمله، لم تقتصر تجربته على تطوير الحلول الرقمية، وإنما امتدت إلى تدريب الخريجين الجدد والعاملين والباحثين، ومساعدتهم على التعامل مع الأدوات والمنصات التقنية التي أصبحت جزءًا أساسيًا من بيئة العمل الحديثة.
وتعود إحدى المحطات المهمة في هذا الجانب إلى فترة عمله في المركز القومي للبحوث في السودان، حيث شارك في تقديم برامج وورش تدريبية استهدفت فئات مختلفة، من بينها خريجون جدد وباحثون وعاملون داخل المؤسسة.
ويختلف التدريب التقني عن مجرد شرح طريقة استخدام برنامج معين. فالمتدرب قد يعرف الخطوات الأساسية، لكنه يحتاج إلى فهم المنطق وراء الأداة وكيف يمكن توظيفها لحل مشكلة حقيقية في بيئة العمل.
ومن هنا يصبح المدرب مطالبًا بأكثر من امتلاك المعرفة التقنية. فهو يحتاج إلى القدرة على تبسيط المفاهيم، والاستماع إلى أسئلة المتدربين، وفهم مستوياتهم المختلفة، ثم تحويل المعلومات المعقدة إلى خطوات يمكن استيعابها وتطبيقها.
وهذه المهارات ترتبط بصورة مباشرة بطبيعة عمل مهندس البرمجيات نفسه.
فعندما يقوم المهندس بتصميم نظام، فإنه لا يتعامل مع الكود وحده، وإنما يحتاج إلى فهم الأشخاص الذين سيستخدمون النظام. وكلما كان قادرًا على شرح الفكرة والاستماع إلى الملاحظات، أصبح من الأسهل تطوير حل يلبي الاحتياجات الفعلية.
ولهذا يمكن النظر إلى التدريب باعتباره امتدادًا طبيعيًا للعمل الهندسي، وليس نشاطًا منفصلًا عنه.
وفي تجربة حيدر، اكتسب نقل المعرفة أهمية إضافية بسبب طبيعة الأدوات الرقمية التي كان يتعامل معها. فالتكنولوجيا تتغير بسرعة، والأدوات التي تبدو جديدة في وقت معين قد تصبح جزءًا أساسيًا من بيئة العمل بعد سنوات قليلة.
ويحتاج العاملون والباحثون إلى مواكبة هذه التغييرات حتى يتمكنوا من الاستفادة من التكنولوجيا بدلًا من أن تتحول إلى عائق أمامهم.
ومن هنا تأتي أهمية التدريب العملي الذي لا يركز فقط على المعلومات النظرية، وإنما يربط التقنية بالمشكلات التي يواجهها المستخدم في حياته المهنية اليومية.
كما أن تدريب الخريجين الجدد يحمل أهمية خاصة؛ لأن الانتقال من الدراسة إلى سوق العمل لا يكون دائمًا سلسًا. فقد يمتلك الخريج معرفة أكاديمية جيدة، لكنه يحتاج إلى فهم كيفية استخدام هذه المعرفة في بيئة عمل حقيقية.
وهنا يمكن للخبرة المهنية أن تلعب دورًا في تقليل الفجوة بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي.
ولا يقتصر مفهوم نقل المعرفة على قاعات التدريب أو ورش العمل. ففي المشاريع التقنية نفسها، تنتقل الخبرة بين أعضاء الفريق من خلال التعاون وحل المشكلات وتبادل الأفكار وتوثيق الإجراءات.
وهذا النوع من المعرفة التراكمية يمثل جزءًا مهمًا من نجاح المؤسسات التي تعتمد على التكنولوجيا؛ لأن النظام أو المنصة لا يمكن أن تستمر بكفاءة إذا كانت المعرفة المتعلقة بها موجودة لدى شخص واحد فقط.
ومع انتقال حيدر لاحقًا إلى أدوار أكثر ارتباطًا بإدارة التقنية والحلول الرقمية، أصبحت مهارات التواصل ونقل المعرفة أكثر ارتباطًا بطبيعة عمله.
فالمهندس الذي يعمل مع فريق أو مؤسسة يحتاج إلى ترجمة الاحتياجات التقنية إلى لغة يفهمها أصحاب القرار، كما يحتاج إلى شرح المتطلبات التقنية للمستخدمين والفرق المختلفة.
وهذه القدرة على التواصل تصبح أكثر أهمية كلما زادت درجة تعقيد المشروع.
فقد يكون الحل التقني واضحًا بالنسبة إلى المهندس، لكنه ليس بالضرورة واضحًا بالنسبة إلى الإدارة أو المستخدم النهائي. وهنا تظهر قيمة الشخص القادر على بناء جسر بين الجانبين.
وتتكرر هذه الفكرة في مسيرة حيدر بصورة مختلفة في كندا، حيث يشارك أيضًا في العمل التطوعي في مجال الترجمة المجتمعية وخدمات الاستقرار للقادمين الجدد.
ورغم اختلاف طبيعة النشاط، فإن هناك عنصرًا مشتركًا بين التدريب والترجمة: نقل المعلومات بطريقة تجعلها مفهومة للطرف الآخر.
في التدريب، يكون التحدي هو تحويل المعرفة التقنية إلى فهم قابل للتطبيق. وفي الترجمة المجتمعية، يكون التحدي هو نقل المعنى والمعلومة بين لغات وسياقات مختلفة.
وفي الحالتين، لا تكفي المعرفة وحدها؛ بل تحتاج إلى القدرة على التواصل بدقة ووضوح.
وهذا الجانب يضيف بعدًا مهمًا إلى مفهوم المهندس في العصر الرقمي. فالمهندس لم يعد يعمل بالضرورة داخل فريق تقني مغلق، وإنما أصبح جزءًا من منظومة تضم إدارات ومستخدمين وعملاء وشركاء من تخصصات مختلفة.
وبالتالي، تصبح مهارات الشرح والاستماع والتدريب والتواصل جزءًا من الأدوات المهنية التي تساعده على أداء دوره.
كما أن نقل المعرفة يمكن أن يترك أثرًا يتجاوز المشروع نفسه. فعندما يتعلم شخص جديد مهارة تقنية، يمكنه بعد ذلك استخدامها في عمله، وربما ينقلها إلى زملائه، لتستمر المعرفة في الانتشار داخل المؤسسة أو المجتمع.
ومن هذه الزاوية، يصبح التدريب نوعًا من الاستثمار في الأشخاص، وليس فقط في التكنولوجيا.
وفي الوقت الذي تتجه فيه المؤسسات إلى الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، تزداد الحاجة إلى الأشخاص القادرين على مساعدة الآخرين في فهم هذه التقنيات.
فإدخال نظام جديد إلى مؤسسة لا يعني بالضرورة نجاحه؛ إذ يحتاج المستخدمون إلى معرفة كيفية التعامل معه، وفهم فائدته، ومعرفة حدود استخدامه.
وهنا يظهر دور التدريب مرة أخرى، ليس باعتباره مرحلة جانبية، وإنما باعتباره جزءًا من عملية التحول الرقمي نفسها.
وتشير تجربة حيدر إلى أن المسار التقني يمكن أن يتسع ليشمل أدوارًا متعددة: بناء الأنظمة، وإدارة الحلول، وتدريب المستخدمين، ونقل المعرفة، والبحث الأكاديمي.
وفي كل مرحلة، تظل هناك فكرة واحدة حاضرة: التكنولوجيا لا تحقق قيمتها الكاملة إلا عندما يستطيع الإنسان استخدامها وفهمها والاستفادة منها.
ولهذا فإن كتابة الأكواد ليست سوى جزء من الصورة. أما الصورة الأكبر فتتعلق بالقدرة على تحويل المعرفة التقنية إلى حلول مفهومة، ومساعدة الآخرين على استخدامها، ثم نقل الخبرة إلى أشخاص آخرين يستطيعون البناء عليها.
ومن هنا، يبدو التدريب ونقل المعرفة فصلًا أساسيًا في مسيرة حيدر إبراهيم، لأنه يوضح أن العمل في التكنولوجيا لا يعني فقط صناعة الأدوات، وإنما يمكن أن يعني أيضًا صناعة القدرة على استخدامها.







